أحمد بن الحسين النائب الأنصاري

48

نفحات النسرين والريحان فيمن كان بطرابلس من الأعيان

ثم الكفرة وأنشأت عشرات الزوايا في هذه النواحي وكثرت زواياها في فزان وكوار فربطت فزان بليبيا ربطا قويّا ، وقد رأينا أن القرمانلية هم الذين ربطوا فزان بليبيا ربطا سياسيّا قويّا ، ولكن السنوسية هم الذين أحكموا هذا الربط ؛ لأن القرمانلية ابتداء من حكم يوسف القرمانلى انصرفوا إلى السياسة وأعمال الغزو في البحر فدخلوا في إشكالات سياسية خطيرة مع فرنسا وإنجلترا والولايات المتحدة وفصلوا أنفسهم عن الدولة العثمانية فأصبحت ليبيا في القرن الثامن عشر مثالا للدولة غير النظامية المنصرفة إلى النهب والسلب ، وفي ذلك العصر انفصلت فزان عن ليبيا وحكمها الكانميون وأصبحت جزءا من إفريقية الإسلامية المدارية ، فلما جاء السنوسيون أكثروا من إنشاء الزوايا في فزان وكوار ونواحي الصحراء وكسبت هذه الزوايا السنوسية ثقة الناس فقد كانت الزوايا مدارس إسلامية تدعو للإسلام وتعلم الناس أصوله ، وكان لكل زاوية شيخ حوله نفر من المجيدين المخلصين لدعوة الإسلام ، وكانت الزوايا أيضا مراكز تجارية ، وليس معنى ذلك أنها كانت تعمل بالتجارة بل المراد أنها كانت محطات وملاجىء أمان للتجار الراحلين من الشمال الإفريقى إلى إفريقية المدارية وللتجار الأفارقة ، وكان شيخ الزاوية يقوم بتنظيم العلاقات بين تجار المغرب والتجار الأفارقة ويجريها على شرع الإسلام ، فإذا لم يكن التاجر الإفريقى مسلما أسلم على يد شيخ الزاوية حتى يضمن لنفسه ولأمواله الحماية . هذا إلى أن شريعة الإسلام ضمنت للتاجر الإفريقى سلامة أمواله وصحة الأحكام في شأن معاملاته وبهذه الطريقة كان للطريقة السنوسية أثر بعيد جدّا في نشر الإسلام في الجزأين الأوسط والشرقي من الصحراء الكبرى ، وإلى السنوسية يرجع الفضل في عودة فزان إلى ليبيا وارتباطها بها ارتباطا عضويّا سياسيّا ، هذا إلى أن السنوسية تحولت إلى طريقة صوفية مجاهدة عندما تعرضت ليبيا لأخطار الغزو الاستعمارى الأوربى النصراني ، وعندما غزا الإيطاليون ليبيا سنة 1911 تحولت السنوسية إلى صوفية مجاهدة ومن مركزها في الكفرة قادت الجهاد ضد الإيطاليين ، ومن صفوف السنوسيين ظهر المجاهد عمر المختار الذي قام بأعمال باهرة من البطولة الإسلامية في محاربة الإيطاليين حتى استشهد على أيديهم على